عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
409
اللباب في علوم الكتاب
وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور في القصة لأن من البعيد جدا أن يوصف الرجل بكونه ساعيا في سفك دماء المسلمين رغبة في انتزاع أزواجهم منهم ، ثم يذكر عقيبه أن اللّه فوّض خلافة الأرض إليه . ثم في تفسير كونه خليفة وجهان : الأول : جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى اللّه تعالى وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفه وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة ، وذلك على اللّه محال . الثاني : إنا جعلناك ممكنا في الناس نافذ « 1 » الحكم فيهم . فبهذا التأويل يسمى خليفة ، ومنه يقال خليفة اللّه في الأرض « 2 » وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذ الحكم في رعيته ، وحقيقة الخلافة ممتنعة في حق اللّه تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة ( مفيدة ) « 3 » للزوم نفاذ ذلك الحكم في تلك الحقيقة . قوله : « فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ » أي بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقة للشريعة الحقيقة « 4 » الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات ، وإذا كانت الأحكام على وفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أفضى إلى تخريب العالم ووقوع الهرج والمرج في الخلق وذلك يفضي إلى هلاك ذلك الحاكم ولهذا قال : « وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » ، لأن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل اللّه ، والضلال عن سبيل اللّه يوجب سوء العذاب « 5 » . قوله : « فيضلك » فيه وجهان : أظهرهما : أنه منصوب في جواب النهي « 6 » . الثاني : أنه عطف على « لا تَتَّبِعِ » فهو مجزوم « 7 » ، وإنما فتحت اللام لالتقاء الساكنين . وهو نهي عن كل واحدة على حدته « 8 » ، والأول « 9 » فيه النهي عن الجمع بينهما « 10 » وقد يترجح الثاني « 11 » لهذا المعنى ، وقد تقدم تقرير ذلك في البقرة في قوله : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ « 12 » [ البقرة : 42 ] .
--> ( 1 ) في ب تأخذ . ( 2 ) في الرازي خلفاء اللّه في أرضه وانظر الرازي 16 / 198 و 199 . ( 3 ) سقطت من ب . ( 4 ) في الرازي : الحقه . ( 5 ) انظر : الفخر الرازي 26 / 199 و 200 . ( 6 ) فتكون الفاء للسببية و « أن » مضمرة وجوبا . ( 7 ) وقال بهذين الوجهين أبو البقاء العكبري في التبيان 1099 والسمين في الدر 4 / 604 . ( 8 ) عن كل واحد على عدم الإتيان به وعنهما مطلقا . ( 9 ) في ب والأولى تحريف . ( 10 ) كالعبارة المشهورة لا تأكل السمك وتشرب اللبن . ( 11 ) وهو الجزم . ( 12 ) ولم يزد هناك على ما قاله سوى أن الآية هناك بواو المعية وهنا بفاء السببية .